محمد بن عبد الجبار بن الحسن النفري
20
الاعمال الصوفية
فلا تستطيع اللغات أن تعبر عنه : « إن كان النعت مبلغا فهو مبلغ لا نعت ، وإن كان النعت لا مبلغ فهو نعت » ( ص 117 ) . والنعت هو الصفة ، والمبلغ هو الحد . وإذا أريد للصفة أن تكون حدا ، فهي قاصرة دون شك ، أما إذا أريد لها أن تكون نفيا للحد فهي الصفة الحقيقية ، من هنا فإن صفة المطلق هي أن لا يوجد في اللغات ما يعبر عنه . لأنه بلا حد ، واللغة محدودة : « والحدّ كلّه حجاب » ( ص 121 ) . التصاق اللغة بالحدية والتناهي هو الذي يعجزها عن الارتقاء إلى وصف الصفات . ولذلك فهي تنحرف للتحول إلى حجاب ، وحينئذ تصير « فجّ إبليس » . هنا لا بدّ أن نتذكر مبدأ « الذات المتعالية عن الصفات » الذي ستتوصل إليه الفلسفة الإسماعيلية بعد قرن من النفّريّ ، حيث ميز الإسماعيليّون طريقين لتناول الصفات ، هما طريق الإثبات ، وطريق النفي ، حيث لا يوجد في اللغات ما يعبر عن طبيعة الصفات الإلهية . يقول أحمد حميد الدين الكرماني في « راحة العقل » عن هذين الطريقين : « طريق من جهة إلحاق الصفات التي لا يكون أشرف منها وإثباتها له ، وطريق من جهة نفي الصفات وسلبها عنه ، وكان طريق التوحيد والتمجيد من جهة إثبات الصفات له مؤديا إلى الكذب على الله تعالى والافتراء عليه بنسبة ما لا يليق به وإجرائه مجرى ما دونه من مخترعاته ، كان أصدق ما يعتمد عليه في التوحيد والتمجيد ضد إثبات الصفات ، وهو نفيها عنه . فأخذنا - معاشر الدعاة الموحدين المتبعين للأئمة الطاهرين - في التوحيد والتسبيح طريقة نفي الصفات لكونه حقا وصدقا . وذلك أنه لما كان الصدق هو إثبات شيء لما هو موجود له ، ونفي شيء مما ليس بموجود له ، رأينا أننا إن أثبتنا له تعالى صفة ، وكانت الصفة لا له ، بل لغيره بكونها مختصة بالموجودات عنه التي هي غيره تعالى ، كنا فيه كاذبين . إذ الكذب هو إثبات شيء لما ليس له هو ، أو نفي شيء عما هو له . وإننا إن نفينا عنه صفة - وكانت تلك الصفة ليست له بل لغيره - كنا في ذلك صادقين » « 16 » . لكي يحيط الدكتور عبد الرحمن بدوي بهذا الموقف فإنه يدعو إلى مقارنته بموقف جان اسكوت أريجين . يقول : « من الشائق أن نقارن موقف الإسماعيلية ( في النصف الأول من القرن الرابع الهجري ، أي العاشر الميلادي ) بموقف جان اسكوت أريجين ( المتوفى حوالي 877 م ) من هذه المسألة : فإن جان اسكوت أريجين في لاهوته السلبي يتناول مسألة : هل يمكن وصف الله بالوجود ، ويقرر أن « الله هو من
--> ( 16 ) الكرماني : راحة العقل ، ص 147 .